الكتابة مابين اللذة والنار
اهلا بك بمدونة الكتابة مابين اللذة والنار
جمال المظفر مواليد: 1958 عضو نقابة الصحفيين العراقيين عضو اتحاد الصحفيين العرب عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق عضو جمعية الخطاطين العراقيين عمل رئيسا لتحرير جريدة صوت التأميم قبل الاحتلال واعتقل وسجن ومنع من مزاولة العمل الصحفي لديه خمس مجموعات معدة للطبع 1- مدن تفض بكارة الجدران / مجموعة شعرية 2- اجنحة الخفافيش / مجموعة قصصية 3- تنهدات / كتابات في الحب والانوثة والجمال 4- مقالات مختارة/ كتابات صحفية نشرت في الصحف 5- دراسات نقدية
روابط

«  September 2010  »
MonTueWedThuFriSatSun
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930 


قائمة الاصدقاء

صفحه 1 من 1
الصفحه السابقه | الصفحه التاليه


أضراس .... وأشياء أخرى

                  اضراس .. واشياء اخرى

 

جمال المظفر

 

تراجعت امامي صور الذكريات وانا اجلس على الكرسي المتحرك لطبيب الاسنان الذي يشبه نقالة الموتى ، يخترق حدقات عيوني ضوء المصباح الثلجي الذي تسمر في مداره فوق رأسي مباشرة .. احسست بنكهة شفتيها الورديتين الطريتين وهي تقرب وجهها مني ،كدت اطبق شفتي على شفتيها ، اما زالت تتذكر تلك القبلات التي كنت اخذها عنوة منها فأحس بلذة غامرة ونشوة صبيانية ، بينما كانت تحاول ابعادي بلطمة من يدها الطرية على وجهي .

-         افتح فمك جيدا ، فالضرس الثاني اصابه التسوس حتى الجذر وعلى قلعه لأن بقاءه سيسسبب لك متاعب كثيرة قد تمتد الى الجهاز الهضمي .

استسلمت ليديها الناعمتين التي تذكرني بطفولتها البريئة امام مشاكساتي يوم كنت معها في نفس المصطبة منذ الصف الاول الابتدائي وحتى الصف السادس ، اردت ان اكلمها لكنها وضعت يدها على فمي وطلبت مني التزام الصمت لانها اعرف بعلتي ، ثم افرغت الهواء من (السرنجة) التي تحوي المخدر وزرقت ابرتها في لثتي التي كانت تؤلمني بسبب الالتهاب الذي اصابها من وجع الضرس ، وبعد ان انتهت من زرقها احضرت شاشا طبيا وربطت يدي على مساند الكرسي الطبي الذي كنت متمددا عليه .

سألتها : لماذا تربطين يدي ؟

فردت على بابتسامة ماكرة : كي لاتعيد مشاغباتك الطفولية وساديتك ايها الـ .... وابتسمت .

لم اعر الامر اهمية لانها صديقة طفولتي ، وهاهي الطفلة الخجولة قد تحولت الى قطة شرسة تتعامل مع بني ادم بلغة المشارط واشياء اخرى اقرب الى السادية .

جلست على كرسيها الدوار تنظر الى ، لااعرف ان كانت نظراتها تدل على اعجابها بي او ربما ايقظت غرائزها تجاهي لانها استرجعت مغامراتي العاطفية ومحاصرتي لها على المصطبة وهي تلصق جسدها الى الجدار خوفا مني ، ام انها تحاول الثأر من تلك المشاكسات البريئة والتي يعتبرها الاطفال نزوات عابرة يقلدون بها الكبار من ابناء جلدتهم .

نهضت من الكرسي وامسكت ادواتها وفتحت فمي بشدة حتى لكأن فكي ينفران من بعضهما وحفرت جوانب الضرس ثم قلعته وارتني اياه قائلة : انظر الى ضرسك ، انه مثل افعالك يوم كنت ...... وصمتت ، نظرت لى بطرف عينيها ، ثم عبأت مكان الضرس بكمية من القطن الطبي .

اردت النهوض لكنها اصرت على ان ابقى في مكاني ، حاولت ان اتكلم لكنها اعادت الكرة ووضعت يدها على فمي وقالت : لاتنطق بأي كلمة ، عليك التزام الصمت فلربما ينزف الجرح لأن مكانه لم يلتئم بعد ، ووضعت بين فكي اداة فتحت فمي بالكامل بحيث لااستطيع ان اطبقه ، وراحت تفتش فيه ، لااعرف ماذا تريد بالضبط ، تفوهت بكلمات لكنها لم تنظر لي :الضرس الآخر سيلحق بأخيه لأنه منخور وعلي قلعه .

ليس لي من مجال للكلام اما ان اتنفس أو اتكلم وتنقطع انفاسي .

ثم رددت : انظر انه يستحق القلع ، لم اصدق انه ضرسي الثاني ، ثم الثالث والرابع ..

رفست برجلي على الكرسي ، حاولت الاستغاثة بأي احد لكنها اقدمت هذه المرة على ربط قدمي وقالت : لاتكن مشاكسا ولعوبا مثلما كنت في المرحلة الابتدائية ، عليك ان تكون متزنا .. ايها التلميذ الشقي .. السادي .. المتوحش .. الماكر ..

لم يبق من اسناني شئ سوى فكين ربما يكونان اشبه بفكي ضفدعة ..

قالت : سوف لن تشعر بعد الآن بألام الاسنان ، ستنام نوما هانئا ، وستعرف كم ان الضحك يبكي صاحبه في اخر المطاف ..

-         اه .. كم كنت شرسا للغاية ، تأخذ مني قطع الشيكولاته التي كنت احملها في حقيبتي وتجعلني ابكي ، وكنت تتلذذ بدموعي .. وكم كنت تدس اصابعك القذرة تحت الـ ..... وقرصاتك التي مازالت اماكنها داكنة لحد هذه اللحظة تشوه جسدي ... آه ، نسيت كلماتك الرومانسية الحادة التي كنت تنفثها بوجهي ، انها اقذر من اسنانك التي ذهبت الى غير رجعة ، ربما علي شئ يجب ان افعله من اجلك ، ومن اجل ان اكفر عن خطاياك وافعالك القبيحة تلك ، لم تكن انت الذي تطلق تلك الافعال ، لسانك هو الذي اوقعك في تلك المطبات .

حاولت الصراخ لكن الكلمات تختنق في حنجرتي ففكي مفتوحين على مصراعيهما ، فتحت عيني بكل المساحة التي يمكن ان افتحهما ، لكنها اطبقت بيديها على حنجرتي حتى كدت اختنق ، فأخرجت لساني لااراديا .

امسكته بملقط ضخم كانت تحمله بيديها وسحبته بشدة ، لم اشعر غير انه يتأرجح امامي ..

-         ياالهي ، لقد قلعت لساني ، وماذا بعد ، هل ستزيل عنصر ذكورتي ، ام ستأخذ شيئا آخر ، لااعتقد بأن هناك امرأة بتلك السادية والوحشية وبتلك الدرجة من الثأر .

-         اخذت انكث برجلي ، اصبح جسدي يرتعش وكأني تحت ضغط صدمة كهربائية ، أأحاول الصراخ ،أم التزم الصمت ، النار تسري في جسدي ، والخوف من الفضيحة يجعلني التزم الصمت ..

دارت حول جسمي دورتين ووقفت فوق رأسي وانا متمدد على الكرسي مربوط الوثاقين وقالت لي : هل تخشى ان تفقد شيئا اخر ، ربما اهم من لسانك ، رمز فحولتك الذي كنت تتباهى به امامي ، لكني لن اصل الى المستوى الذي وصلت اليه يداك القذرتان ، واصابعك المشاغبة المنغمسة بالرذيلة ، ولكني اقدر على ان اطلب من المضمد( فرمان ) الذي تعرفه ويمكن ان يؤدي الواجب الذي لااقدر انا على تنفيذه ولتحتفل عائلتك ، بل المحلة كلها بمناسبة ختانك .

-         هاه ... نسيت ان اقول لك بأن رائحة فمك مازالت نفسها التي افرغت معدتي ، بل احشائي كلها قبل اربعين سنة ، لابد انك تعاني من اضطرابات معوية ، او ربما فساد المعدة او التهاب القولون، او فساد النفس التي تحملها في جلدتك الجربة . هل تذكر عندما كنت تطبق شفتيك على شفتي وانا اقاوم ، بل اتوسل بأن لاتمارس افعالك القذرة تلك .

اعادت ترتيب عدتها من ادوات حفر ومقالع للاضراس وابر تخدير ونزعت قفازيها المطاطيين ، اخرجت اصبع احمر الشفاه ، دهنت به شفتيها ثم حدقت بي ، وحملت حقيبتها ووضعت لساني في كيس من النايلون وراحت اصوات كعبها العالي ترن في اذني وتضرب على اخر وتر في دماغي الذي تراجعت فيه اشرطة الذكريات ، مضغت كلماتي واغمضت عيني لارى تلك الاشرطة بعيدا عن اضوية الغرفة وانا استعيد تلك المشاهد الرومانسية الطفولية التي تثيرني حتى الضحك..

 

 

 

                                                                                

 


تعليقات (1) :: اضف تعليقك


حوارية الرأس المقطوع

                                              

حوارية  الرأس  المقطوع                                                       

                                                   قصة قصيرة

جمال المظفر

                                      

خارطة من الدم المتجمد مرسومة على ارضية المشرحة ، تشبه توزيع مساحات اليابسة والبحار والمحيطات على سطح الكرة الارضية ، وفي الزاوية البعيدة تقبع صناديق الفاكهة التي خبأت فيها الرؤوس التي اقتطعت من اجسادها ، الا ذاك الرأس الصغير المخبأ في صدر الأب ، حيث قام القتلة بقتل الأب وفتح شق في صدره وحشروا رأس الطفل فيه.

كانت الجثة ملقاة على ارضية المشرحة ، لم تعد الثلاجات تستوعب الاعداد الكبيرة من الضحايا الذين قتلوا بطرق شتى ، البعض منهم ثقبت اجسادهم بالمثقب الكهربائي قبل قتلهم ، وأخرون بلا رؤوس ، والبعض مثل بأجسادهم ...

عينا الطفل تترقبان المكان بحذر ، لم يره من قبل ، مقاطع كهربائية ومشارط وفؤوس ومفكات وغيرها من الادوات التي تستخدم في دوائر الطب العدلي ...

عينان تترصدان المكان في حركة دائرية بأتجاه عقارب الساعة حتى استقرتا صوب عيني الفتاة المشدودتين في كفيها با لبراغي ، كانت عيناها لامظتين مثل مصباح سيارة فولكس واجن.

كان رأس الطفل حذرا ، يخاف أن تتغلغل هذه الفتاة الى داخل الأب مثلما تغلغلت نساء أخريات وتسببن في مشاكل عائلية كادت تفضي الى الطلاق بسبب غيرة الزوجة التي لاتود ان تشاركها أية امرأة أخرى على فراش الزوجية أوحتى لمجرد علاقة عاطفية عابرة تخلو من مفردات الجنس أو القبل والمداعبات والمزح .

قال بهدوء: لم اشعر يوما بمثل هذا الدفء الذي يحتويني ، ما أوسع قلبك ياأبي هذا الذي أراه بحجم كف يدي والذي استوعب كل حماقات امي واستفزازاتها ، ولكن .... لماذا كنت تعلن افلاسك كلما طلبت منك بضعة دراهم لشراء قطع الشيكولاته .... ها هي الدنانير متلتلة في جيبك .... لست بخيلا ياأبي ولكنك انسان عصامي تحاول ترتيب امور حياتك بشكل عملي ... اني امزح معك ......

أعاد النظر الى اليسار ، كانت عينا الفتاة متسمرتان بأتجاههما ، تراقبانهما بنظرات غريبة ، تغلغل الرأس في داخل الشق يريد أن يستحوذ على كل جسد ابيه ، أن لايدع ثغرة كي تنقذ منها الفتاة.

-         : آه ... ماهذا ياأبتي هل كانت هناك نساء اخريات في حياتك غير أمي ، آه ... لو كانت تعلم لقلبت حياتك جحيما ، انها عصبية جدا ، ولكنها طيبة القلب ، عندما تهدأ تحاول الاعتذار أو فعل اشياء أخرى تشعرك فيها بالندم حتى وان لم تكن بصورة مباشرة .

-         حاول الرأس مراقبة مايدور حوله ، أدار عينيه بحركة دائرية ماسحا كل الفضاءات التي تحيط به ، وثبت اتجاهه صوب جثة الفتاة ، كانت عيناها متسمرتان باتجاههما طول الوقت ...

-         : لن اغادر أبي كي تستحوذي عليه ، سأبقى ملتصقا به الى ما لانهاية ، سيعود القتلة ويأخذون عينيك الرماديتين ، أما أنا فسأعود مع أبي الى امي ، فهي تعد العشاء لنا ، وللناس المتكورين في داخل البيت ، فأني أرى أن هناك ضيوفا قد ملأوا البيت .

دخل عمال المشرحة لنقل الجثث  ، أحس رأس الطفل بأن هناك محاولة لنقلهم الى مكان اخر وربما يتم ابعاده عن ابيه ، خبأ رأسه في الجسد بعيدا عن أنظار العمال ، تغلغل شيئا فشيئا في زوايا الجسد ، انتبه أحد العمال الى اختفاء رأس الطفل الذي كان موجودا داخل جسد الأب ، لابد أن احدا ما سرق الرأس ولربما هناك سر في اختفائه ، راح العمال يبحثون في المشرحة عن الرأس ...... هناك رأس ناقص في المشرحة ..... الرأس الذي اصبح حديث الناس وعمال الطب العدلي ، بل حتى الرجل الطاعن في السن الذي مارس مهنة التشريح منذ أن كان شابا وحتى هذه اللحظة ، لم ير صورة بتلك البشاعة التي رأها ليلة البارحة ، رأس مقطوع في داخل جثة مفتوحة الصدر ، الكل يبحث عن الرأس .... العمال... والوزير .. والمدراء العا مين والاطباء.... خوفا من انتشار خبر الاختفاء بين الناس ....

نقلت الجثث في صناديق خشبية لدفنها في مقبرة الشيخ معروف ، اكثر من مئتي جثة ، لكن هناك رأسا مفقودا ، اين اختفى ذلك الرأس ؟!! ، رتبت الصناديق فوق بعضها بشكل متراصف وكأنها بضاعة شحنت للتو من الميناء، من يرى هذا الكم الهائل من الصناديق لايتوقع انها تحوي جثثا بتلك الطريقة المرتبة.

همس رأس الطفل في مؤخرة اذن ابيه من الداخل :  لو سألوك عني قل لهم اني خرجت ولم اعد ، أو لتقل لهم أن لصوصا قد خطفوني وعليك تحرير محضر بأختطافي ، ولكن عليك أن تطمئن أمي بأني معك لأنها ستبقى قلقة لاختطافي أو ربما تبوح بالسر لأن النساء كما علمتني لايخفين سرا، فما في قلوبهن على السنتهن.....

مرت الشاحنة التي تحوي الصناديق في شوارع العاصمة ، ينظر الناس الى البضاعة التي يقطر الدم منها ، لايعرفون ماذا تحوي هذه الصناديق ..... كانت الشمس تلقي بأشعتها العمودية على المدينة ، الناس تختفي تحت المظلات المخصصة لحافلات نقل الركاب وآخرون يرفعون الصحف فوق  رؤوسهم والبعض يقف ملاصقا لعمود الكهرباء للبحث عن شبه ظل .

سارت الشاحنة بأتجاه الجسرالمحدودب الذي يستند بذراعيه على نهر دجلة ، كانت هناك رؤوس تتساقط في النهر ، السماء تمطر رؤوسا ، لم يكن هناك غيم ولم يكن هناك آثار كائنات سماوية أو اطباق طائرة تلقي بتلك الرؤوس .

همس رأس الطفل ثانية في اذن ابيه : انظر ياأبي انها رؤوس تتساقط في النهرتشبه الكرات التي نلعب بها ، لكن لها عينان واذنان وانف وفم ، انها ليست كرات ..... رؤوس ... رؤوس..

وأخيرا نطق الأب : كرات ....كرات

رد الطفل : رؤوس ... رؤوس

وتداخلت الهمسات بين الاب ورأس الطفل : رؤوس ... كرات ... رؤوس ... كرات ... رؤوس ... كرات ... رؤوس ... كرات ... رؤو ..... كر ...... كرات ... رؤوس ....كر ... كر ... كرات ....

السماء تمطر بشدة  .... الرؤوس تهطل على المدينة ... تحدث مويجات حلزونية في النهر ... تتوالى المويجات ... ترتفع ... حركة غير اعتيادية ... الموج يرتفع ويرتفع معه مستوى المياه ....  هيجان النهر لامثيل له ..... غضب الهي ... غضب الهي ... الجوامع تكبر والكنائس تقرع الاجراس ... غضب الهي ... غضب الهي ...

الناس تهرع الى البيوت والبعض يختبئ في الملاجئ والمحال القريبة خوفا من تساقط الرؤوس ومد المياه .....

تسونامي  ... تسونامي ثانية ... انه الطوفان .....

بدأت المدينة تغرق ،كان لون المياه داكنا يشبه لون الدم المتجمد على ارضية المشرحة... اشتد سقوط الرؤوس على المدينة واخذت تشكل كتلا تشبه الهياكل الاسمنتية للعمارات العالية ، كتل من الرؤوس التي تشبه الكرات .. بعضها مثقبة واخرى مهشمة ... حجبت الرؤوس اشعة الشمس عن المدينة بينما صدى الترانيم ملأ السماء ..... رؤوس .... كرات ... رؤوس ...كرات ... رؤوووووووس .... كر..كر...كر.... كركرات..... كركرات...  

تغلغل الرأس في جسد الأب وذاب في ثناياه ، لم يعد هناك رأسا مفقودا وضاع في زحمة الرؤوس التي تساقطت على المدينة في يوم ليس شتائيا.

 

***********************************************************************

*  هذه القصة حقيقية حدثت في العراق جراء اعمال العنف التي طالت مئات الابرياء ، اذ قام المجرمون بقتل الاب وفتحوا شقا في صدره وقطعوا رأس ابنه ووضعوه في الشق ، وبجوار الجثة في المشرحة جثة فتاة قتلت هي الاخرى واقتلعت عيناها وربطت بالبراغي في كفيها في ابشع جرائم ترتكب بحق البشرية.

 

                                                                                                          


تعليقات (0) :: اضف تعليقك


لصوصية مراهقة

                       لصوصية مراهقة

 

جمال المظفر

 

أصوات مغرية تنساب من خلف جدران الكوخ المشيد من القصب على حافة نهر الداكير ، الليل يعطي تلك الأصوات صدى ابعد وخيالا أوسع وشهية الى التلصص على ماوراء تلك الجدران ..

الصقت اذني بالقصب لاراقب عن كثب مايجري ، ليست هناك نافذة على الجهة الترابية اذ يبدو ان صاحب الكوخ فضل ان يجعل النافذة بأتجاه مجرى النهر خوفا من تلصص المارة أو لاعطاء الكوخ فسحة للتأمل على الشاطئ ...

أسمع صوت المرأة من خلف الجدار : أتعبتني ياجياد ، قلت لك ليس لي ألقدرة هذه الليلة على تلبية رغباتك ، أشعر بأن فقرات ظهري تتفتت وتتآكل ، متى تنهي رعونتك هذه ...

قال لها : تحملي ياأم الليل ، بضع دقائق وينتهي كل شئ ، رغم اننا نشعر بالملل احيانا الا انه ما أن ننتهي حتى نسلم أنفسنا لرقاد ينسينا مرارة التعب .

قالت : أنت قاس معي ياجياد ، مذ تزوجتك وحتى هذه الليلة ، ليس لك غير ان تجهدني في ما ليس قدرة عليه ، لقد تقدم بنا العمر ياجياد ، لاأدري هل أن احساسك قد مات مثل .....!!ّ!!!

رد عليها : ياأمرأة ، هناك نساء في اعمار متقدمة ويرين انفسهن بروح الشباب ، وانت تتمللين من أشياء بسيطة ، تحاولين أن تتدلعي من أجل تثيري عطفي .

أسمعها تتأوه وتئن : آآآآآآه ..آآآآآآه ياجياد ، لم اعد احتمل ، صبرك علي يارجل ، ساقاي تهرأتا من كثر ترهاتك ، امنحني لحظة لالتقط أنفاسي ياملعون الشيب .

أثارتني تلك التأوهات ، هدوء الليل يعطيها صدى أوسع في أذني ، اشتهاءات ورغبات وجنوح ... كم تغري الاصوات احيانا أكثر من الصورة ، حاولت أن أجد فتحة ما في جدار القصب لاراقب مايجري ، اتجهت صوب الجهة الاخرى ليس هناك من شباك ، علي أن أجد وسيلة لارتياد النهر ، لمحت زورقا صغيرا قرب شجرة ربطه صاحبه بحبل سميك ، فتحته وجدفت بيدي بهدوء كي أصل الى النافذة المطلة على النهر، أدركت أن صاحب الكوخ ذكي للغاية بحيث انه لم يعط أي مجال للأخرين لان يتطلعوا الى داخل الكوخ ..

هرولت الكلاب نحوي كما لو انها تتبع سارقا في منتصف الليل ولكني حمدت الله لأن الكلاب ستساعدني كثيرا في التغطية على اية حركات غير اعتيادية قد تصدر مني أو من أضطراب الماء ، قلت : اصرخي ، ياأيتها الكلاب واكثري من نباحك فأنت معي في لصوصيتي تشاركينني متعة الاثارة ، ولكني أخاف أن ينكشف أمري لأن القمر كان يضئ الليل تماما وقد أنفضح لمجرد رؤيتي من قبل صاحب الكوخ أو لربما يصوب بندقيته ولاأرى نفسي غير جثة هامدة في بطن زورق تلاحقه الفضيحة ....

جدار الكوخ بمحاذاة النهر تماما حتى لكأن القصب ينبت في النهر ، رجل في منتهى الفطنة والشيطنة بأن يجعل الكوخ تماما مع الحافة ليس هناك من سنتمتر واحد لوضع اصبع لرؤية مايجري ...

كما اني اخاف ان ينجرف الزورق لمجرد وقوفي لأن الزاوية ستكون منفرجة نوعا ما لكي ألصق نفسي على حافة الكوخ فينزلق الزورق وأرتطم بجسدي بالجدار وعندها ستكون الفضيحة ..

أحيانا أحاول أن أجبر نفسي على التراجع عن هذا التلصص الا ان الفضول يدفعني لرؤية مايجري ..

أم الليل : آذيتني كثيرا ياجياد ، لعنة الله على اليوم الذي تزوجتك فيه ، لقد مانعت أمي كثيرا في زواجي منك ولكن أبي هو الذي أصر من أجل عيون شيخ القرية ( عناد ) ... ليتك كنت بتلك الفحولة الظاهرة عليك ، فلو تزوجت غيرك لأنجبت كومة من الاطفال بدلا من أن أصفق بيدي ترحما على هذا العمر الذي ولى من دون خلفة تزيح عني وحشة الايام .

قهقه بصوت عال وألزمته نوبة من السعال الشديد ورد عليها قائلا : ايه ياأم الليل ، ألم يقل سيد دخيل بأن هناك سحرا قد عمل لنا من أجل ان لاننعم بزواجنا وأعتقد أن قريبكم الذي كان يريد الزواج منك هو الذي عمله .

قالت : ولماذا لاتكون فريدة العوبة هي التي عملته كي تستحوذ عليك أو لكي تنتقم منك لأنك تركتها ولحد الآن بدون زواج ..

قال : أرفعي ياأم الليل قليلا ، فلقد حشرتيني في الزاوية الضيقة ، آه يا أم الليل ، بسرعة ارفعي قليلا ...

قهقهت هي الاخرى وقالت : جنت على نفسها براقش ، تلق مصير أفعالك ياجياد .

نقيق الضفادع ونباح الكلاب يتداخلان مع صوت أم الليل وجياد في الكوخ ، ألصقت أذني أكثر لأركز على انسياب الكلام من خلف الجدران ، أمسكت بالقضبان الحديدية المتوازية الافقية للشباك المطل على النهر ، يجب ان اكون حذرا ، أي حركة غير اعتيادية يمكن ان تلقي بي في النهر ، أو ربما يفتح أحدهما الشباك فجأة فينكشف أمري وتتحول القضية الى نزاع عشائري لايحمد عقباه .

رفعت رأسي قليلا نحو الشباك ، اقترب الصوت مني ، رجعت و أخفيت نفسي كي لايشعران بوجودي .... ضوء الفانوس النفطي كان يتسلل من فتحات الدرفات يضئ مساحات محدودة من الفضاء المحيط بالكوخ من جهة النهر .

قال جياد : ياأمرأة ، أشعلت أمي وأبي ببرودك هذا ، من أي جنس أنت ، لاتجيدين غير التململ والتأوهات والشكوى ، ظهري ... بطني ... وركي ... سرتي ... رأسي ... مصاريني ، أيه ياأمراة ، يراد تبديل قطع غيارك بالكامل ...!!

ردت عليه : أكلت عمري ياجياد بعنترياتك وجنونك وفجورك ... لو كانت لدي خلفة سواء بنات أو ولد ليساعدوني في الطبخ والتنظيف لهانت حياتي معك ، ولكني منذ تزوجتك ولحد هذه اللحظة لم أشعر بالراحة ، طوال اليوم حركة وعمل وتنظيف لاتطأ مؤخرتي الارض الا للحظات معدودة ..

رد عليها : هل رأيت خلفة أختك نورية ، الابن الاكبر حرامي والاوسط جندي هارب من الخدمة العسكرية وتطارده الشرطة العسكرية والاصغر يسرق أحذية المصلين من الجامع ، أما ابنتها فوزية فأنها مثل كلبة البرية مزواجة على طول الخط لاتعمر مع زوج سنة الا وعاشرت الثاني وهلم جرا ... أبقي من دون خلفة أفضل من أبناء يشلون حالك وحينها تلعنين ساعة التمني التي تراودك .

ردت عليه : ليس لك غير ان تعيرني بأختي ، حظها أو قسمتها هكذا ، أما فوزية فأنها غير محظوظة بالرجال ولكنها تجازف دائما ولاتسمع نصائح أمها ، أنها راكبة رأسها دائما .

رد عليها : حتى نسينا كم رجلا تزوجت ، هل تخطت حاجز العشرة .

قالت : لاياجياد ، لاتظلم بختك ، انهم لايتعدون الثمانية ، ثلاثة ماتوا وأثنين خلعتهم هي وثلاثة أشبعوها ضربا حتى أن أحدهم أحدث فجا في رأسها تطلب أجراء عملية جراحية كبرى لفتح الدماغ في بغداد كادت تموت بها .

قال : ليتها ماتت لتخلصنا من العار الذي لحق بنا ، انها مشروع تكاثر بشري ، من كل رجل دزينة أطفال حتى انها تنسى اسماءهم وأسماء آبائهم ، هل تذكرين عندما نسيت أحد أطفالها ولم تشعر بفقدانه لولا السائق الذي عاد في اليوم الثاني بالطفل لتتذكر بأنها نسيته في السيارة .

قالت : لعنة الله عليك ياجياد ، أتق الله يارجل لاتأخذ غيبة العالم ، أنهم أولاد حلال .

قال : ومن قال بأنهم أولاد حرام ..!!

هدوء للحظات ، يزداد نقيق الضفادع يرافقه صفير خفيف للاشجار بسبب نسمات هوائية هبت بأتجاه الكوخ .

قالت : رأيتك تنظف بندقيتك صباح هذا اليوم ، لابد أن هناك مشكلة ما في القرية ، هل رجعت الى مشاكلك .

رد عليها : هناك رجل أثار أعصابي هذا اليوم ، وان أعادها سأفرغ مافيها من خراطيش في كرشه ....

أدركت حينها أنه ربما تكون تلك الخرطوشات مهيأة لرأسي ، انتابتني موجة من الرعب ، احسست بطعم الموت من تلك الجملة التي اطلقها ، ربما شعر بوجودي فأراد ايصال رسالة لي بصورة غير مباشرة .. اخاف ان تأتيني طلقة مثلما حدث لسعيد ابن القابلة عندما شاهدوه يستل النظر من فتحات الكوخ الى رسمية وهي تستحم في الحمام ..

قال : هيا ياأم الليل ، لاتكوني عنيدة ، لقد نخرت قواي ولم أعد أحتمل ..

قالت : أصبر علي يارجل لالتقط بعض أنفاسي وبعدها أنفذ رغباتك وأوامرك ، آآآآآآآآآآآآآخ...آآآآآآآآآآآآآآخ ، ياجياد ، فركت رجلي يارجل  ....

 

 لم أعد أتحمل سماع الاصوات ، كل شئ في جسدي يتوتر ، وتتصاعد وتيرة اللذة مع شهية الكلمات المنسابة من خلف الجدران ، يكاد جسمي يفرز غرينه الذي بدأ يعبث بخلاياي ،  هل كل تلك المجازفة وارتياد النهر من أجل التنصت ..؟  اذن لبقيت في الجهة الترابية ، علي أن أرى مايجري ، رفعت جسدي بحذر وأقتربت من النافذة كانت هناك بعض الفتحات بين خشب الدرفات ، بصرت من خلالها واذا بعجوزين في السبعين من عمرهما يناوران في ترتيب الاريكة ووضعها في مكان مناسب لأن أثاث الكوخ البسيط قد ملأ الغرفة ولم يعد هناك من مجال لاستيعاب هذه الاريكة ، حاولت أن أعيد توازني الى الزورق كي لاينزلق بعيدا ، سحبت نفسي بهدوء من النافذة ولكن الزورق انساب بسرعة بعد أن فقدت التوازن ورحت أعانق القمر السابح في النهر مع آخر تنهيدة لأم الليل حيث ينساب ضوء الفانوس النفطي من فتحات الشباك الى قاع النهر .....


تعليقات (0) :: اضف تعليقك


مومسات في الذاكرة

  مومسات في الذاكرة              

جمال المظفر

 

_ ليس هنالك أجمل من امرأة تتعرى في غرفة مغلقة وتمارس طقوسها الجسدية مثل أي طائر تتملكه الرغبة وينزلق في اللذة غير آبه بما حوله من كائنات بشرية ، تمتمت بهذه الكلمات ثم سحبت سيجارة من العلبة الموضوعة على المنضدة الصغيرة قرب السرير ، وأشعلت بحدة عود ثقاب وراحت تحدق فيه وهي تقول : احترق مثلما تحترق الرغبات في أجسادنا ومثلما يحترق كل شئ على السرير الملكي ثم أشعلت سيجارتها ونفخت في العود الذي تحول إلى كتلة من الفحم ينتصف أمام عينيها ...

-   انظر لقد احترق بالكامل ، اشتعل ثم انطفأ ، مثل الرغبات تماما ، لقد انطفأت الآن وألقيت بجسدك الواهن على السرير وكأنك دمية فارغة من المشاعر والأحاسيس ، لقد انتهى كل شئ ، انطفأت يا عود الكبريت ، يا عود الرغبات ، يا عود اللذة بزمن لا يناسب حجم احتياج هذا الجسد ...

استدارت إلى الخلف وسحبت قميص النوم الأسود شبه الشفاف وارتدته كما لو أنها تجدف في حوض سباحة ولكنها بدت أكثر إثارة مما كانت عليه ، إنها تبدو شبه عارية ، وبدا بياض صدرها وساقيها أكثر لمعانا مع عتمة قميص النوم المثير ..

نكثت الرماد من سيجارتها وراحت تمررها على جسدي وتحرق الشعر المتناثر على صدري ، أحسست بوهج السيجارة ، ورائحة الشعر المحترق ملأ ت الغرفة .

حاولت النهوض من السرير لكنها دفعتني بيدها اليسرى ودمدمت ساخرة :- ابق كما أنت مثل الدمية ، هل شعرت بحرارة السيجارة .... ياه ... يبدو أن المشاعر قد عادت إليك ، ثم رسمت خطا وهميا بإصبعها ابتداء من أنفي مرورا برقبتي وبطني حتى وصلت إلى سرتي وغرزت إصبعها بشدة فيها ، صرخت من شدة الألم ، لكنها أطبقت فمها على فمي وغرست لسانها بين شفتي تلاعبه يمينا وشمالا ثم جلست فوق صدري وكأنها تمتطي حصانا بريا وقالت :- ترويض الرجال مهمة شاقة ، خصوصا إذا كان الرجل قليل الخبرة ...

 دفعتها بشدة بعد أن انغرست كفي في ثنايا نهدها الأيسر ، ركضت لأفرغ مافي معدتي في دورة المياه ، شعرت بأن بقايا الشراب والغذاء غير المهضوم قد صعد إلى المرئ ، ما أن فتحت الباب حتى فاجأتني الببغاء بالصراخ: عاهرة ... عاهرة ، أنطقتها بعض الكلمات لتنسى هذه المفردة القذرة ، لقنتها : حبيبتي ...حياتي ، لكنها أخذت تعاند وتصرخ : عاهرة ... عاهرة..

أفرغت كل ما في معدتي حتى لكأنها تخرج من أحشائي ، عدت الهث مثل كلب جائع ، ألقيت بنفسي على السرير،النهر الذي بين نهديها صار أكثر عمقا عندما انحنت فوقي ، كان البياض ناصعا ، لم تترك حمالات الأثداء أثرا على كتفيها أو صدرها ، ليست كما كانت ( أنجيلا ) بوشمها البياض على صدرها الأسمر وكأنه حمالة أثداء شفافة ، أنها ليست مثيرة مثلما الجسد الثلجي الذي يتربع فوقي...

قليل الخبرة... كل امرأة تنام معي تشعر بأني قليل الخبرة ولا أجيد مضاجعة النساء وفي الآخر يتراجعن عن آرائهن ويؤكدن حقيقة واقعة بأن ( ياما تحت السواهي دواهي ) ... كل امرأة تشعر بأنها الأولى التي تنام على هذا السرير وأني ذاك الولد الكسول الذي لا يجيد غير أحلام اليقظة وممارسة عادته السيئة في دورة المياه ...

كانت تنفث دخان سيجارتها عموديا وكأنه زفير حوت عام إلى السطح ، سحبت رشفة عميقة منها ثم نفثتها في وجهي ، أحسست أن شيئا ما في داخلها يحترق ، لا أدري ماهو ، الرغبة أم أشياء أخرى ، أم أنها اكتشفت أشياء جديدة في تكويني أو شخصيتي .

 تذكرت (دانتيلا ) الفتاة الأسبانية من أصل عربي ذات النهدين المكتنزين التي كانت تنتف شعر أبطي بأصابعها متلذذة بتلك الهواية التي اعتبرها من أسوأ الهوايات التي تمارسها النساء بعد التدخين ، كل امرأة ولها هواية إلا هواية ( سونيا ) التي أطفأت أعقاب سكائرها في صدري قبل أن تنتحر بسبب موت كلبها ( روسي ) ، تذكرت ريتا وسيرينا ونادين وبندي وهيلدا ووجوه نساء أخريات ، ليست هناك امرأة من اللواتي صادفتهن إلا وتمتلك هواية أغرب من الأخرى ...

سرحت مع نفسي في هذه المرأة وأخريات غيرها ، تذكرت ( فيفي ) ذات النهدين المتهدلين اللذين يستندان على كرشها ، كانت تتباهى بأنها تملك صدرا ممتلأ تغار منه صديقاتها رغم أنه يشبه بالونات الأطفال المملوءة بالماء التي تتدلى إلى الأسفل ، ليس هنالك حمالة أثداء تناسب صدرها ، كانت تخيطها بنفسها ، أنها امرأة خرافية في كل شئ ، طبعها وجسدها الممتلئ وصدرها المتهدل وأصابعها الخشنة وشفتيها المتورمتين ، كل شئ فيها لا يدل على مقومات الأنوثة ، أنها أشبه برجل ، أو ما يفرقها عن الرجل مسمى واحد لأغير...

لطمتني على خدي ممازحة :- أين سرحت ؟

قلت : - في عالم السادية .

قالت :- أية سادية !!

قلت :- التي تمارسينها معي الآن .

قالت :- اتسمي هيامي بك سادية .

قلت :- كل شئ يخرج عن حدود المعقول يعد في باب السادية

ضوضاء الببغاء ملأ الشقة وكأنها تعرف أن شيئا ما يجري في داخل الغرفة ، أحسست بحرج كبير من هذا التصرف الحيواني ، حاولت أن أكون أكثر إثارة من الببغاء ، أفتعل الكلام ، أي كلام حتى لو كانت جملا غير مترابطة المهم أن أخلص من تلك الورطة المعلقة في الصالة لكن الصوت يتداخل إلى أذني : عاهرة ... عاهرة...

رغم محاولتي تغيير المواضيع إلا أنها أحست بشئ ما يحدث وسألتني بدهشة : - الببغاء تنطق كلمات لا أعرف ماهي ... اعتقد أنها أقرب إلى .........

ولكني قاطعتها : أنها هكذا دائما كلما تراني مع أحد الأصدقاء وأهملها تفتعل الأزمات وتثير الضوضاء .

قالت :- ولكنها تقول عا..........!!

قلت :- أنها تقصد الكلبة ( روسي ) التي حاولت أن تلتقمها يوم كانت بصحبة صديقي .

قالت :- روسي أم روسية .

قلت : - أنها كلبة صديقي.

صوت الببغاء عاد يعكر صفو الحديث ، أنها بدأت تجيد النطق بطلاقة حتى لكْأنها كائن بشري..

قالت :- ببغاؤك يبدو أنها لا تجيد غير نطق هذه الكلمة السخيفة ، ربما أصيبت بعدوى من عشيقاتك اللواتي كن يدخلن إلى شقتك .

قلت :- لم تدخل أي امرأة إلى شقتي.

قالت :- إذن من أين تعرفت على هذه المفردة ؟!!

قلت :- من ....

قاطعتني بحدة :- من أين ، من وحي الآلهة ؟

قلت :- انك امرأة مزاجية وحادة الطبع ، وأنا لااحب المرأة التي تتظاهر بتلك الصفات.

قالت :- هل كنت ثوريا مع غيري؟

قلت :- لم أشارك في أية ثورة لا جنسية ولا جماهيرية ..

قهقهت بصوت عال أثارت الببغاء التي أضافت إلى مفردتها كلمات أخرى : انك عاهرة ... انك عاهرة ...

قالت :- ماذا تقول هذه الفاجرة؟ !!

قلت في سري :- أنها أقل فجورا منك أيتها ألـ .......!!

الببغاء ذكية للغاية ، لم أر حيوانا بتلك الفطنة ، كيف تعرف بأن شيئا أو أشياء ما تجري داخل هذه الغرفة ، يا للعنة كيف سأواجه هذه الببغاء ، وكيف لي أن أضع عيني في عينيها ، أنا رجل ويتملكني الخجل ، فكيف بامرأة تكنى بالعهر ..!!

حاولت أن أقاطع الببغاء ولاإراديا صرخت : عاهرة ... عاهرة ، وأهز بقبضتي يدي بشدة ..

 أثارتها هذه الكلمات ، أمسكت مطفأة السجائر ورمت المرآة المعلقة على الجدار فتحولت إلى شظايا ملأت الغرفة ، وراحت تصرخ وتشد شعرها بشدة ، وتضع رأسها بين نهديها كأنها تشعر بندم على شئ ما ، أشعلت سيجارة وراحت تسحب الدخان بشدة ، أنها في حالة هستيريا حادة  .

 كيف يمكن أن أتلافى هذا الموقف ...

سحب الدخان ملأت الغرفة ... دوامات غازية تصعد إلى الأعلى تتبعها أخرى من نفس متواصلة للسيجارة ، تتركها قبل أن تنطفئ وتشعل الأخرى ، لم أكن أتنفس غير دخان السجائر رغم أني لم أدخن ولو سيجارة واحدة في حياتي .

حملت حقيبتها بعد أن رمتني بنظرة حادة تدل على رغبة في الانتقام وغادرت الغرفة ، لم اسمع غير فوضى عارمة داخل الشقة ، ركضت مسرعا لأرى ما يجري وإذا بها تطلق الببغاء من القفص وتجري مسرعة ولكن الببغاء أخذت تلاحقها في الشارع محدثة ضجيجا أجبر سكان المنطقة على الخروج لرؤية ما يجري ، أنها تطير فوق رأسها تماما وتزعق : عاهرة ... عاهرة ، أخذت المرأة المجنونة تركض والببغاء تلازمها في كل مكان واختفتا في زحام المدينة، عدت إلى غرفتي أعيد ترتيب نسائي في الذاكرة على أساس الإثارة ، أية إثارة كانت ، حتى لو فضيحة بحجم تلك التي يتردد صداها في أرجاء المدينة .

                                            

                                       

                                                                 


تعليقات (0) :: اضف تعليقك


ليلة تحت الصفر

                          ليلة تحت الصفر

                                                                                                   قصة قصيرة

جمال المظفر

 

كما لو كان صوتها يخرج من فوهة اسد، تزأر ، وتكتم معها انفاس الصبية ، تعكر هدوء الروح الربانية ، تعبث بالاشياء والزوايا،وكأن شيئا لم يكن في هذا المكان او ذاك ، تجبرك على ان تشم بعضا من رائحتها الكربونية ، ترسم لوحات تراجيدية على جدران المدارس ورياض الاطفال والجوامع والكنائس ، تجعلك تحني قامتك كما لو انك تعبد إلها من الهة قريش

                                                *    *    *    *    *     *

كان البيت بجدرانه المغمورة بمياه نهر السيف يسرق ضوءه الوحيد من شباك البيتونة حيث يتسلل ضوء القمر فترتسم على الحائط المقابل للشباك مربعات متوازية للدرفات بينما تطبع ظلال الخيول الثائرة الموضوعة على جهاز التلفاز اشباحها بأحجام تفوق حجمها الاصلي على الحائط.

كانت المرأة ذات الثلاثين عاما تصوب بصرها بأتجاه باب البيت المعمول من خشب الصاج والذي حفرت فيه الارضة اخاد يد تعطي عمره الزمني بعدا اخر بانتظار دقات المطرقة المصنوعة من البرونز ...الدقات الثلاث موعد وصول تومان من الميناء ...تنساب الى مسامعها هرولة المارة واصوات انفجارات بعيدة ثم تقترب شيئا فشيئا ..وقذائف تخترق سكون المدينة ،تئز فوق البيت قذيفة يحدث انفجارها دويا هائلا يخلع احدى درفات شباك الغرفة ...القصف يشتد وترتفع مواءات سيارات الاسعاف ...تهمس الى نفسها :الم ينته دوام عمال الميناء ،حتى في ايام القصف ... ميناء البضائع والشاي والرز والنفايات والجثث المتعفنة وعلب السردين والامنيات المعلقة على حبال الانتظار واحلام الفقراء المتسكعين على الارصفة ... ميناء الفقر والعوز والرذيلة وقناني الويسكي وعلب البيرة الفارغة ..!!

تنهض من مكانها تفتح شباك الغرفة المطل على النهر ،يتعالى نقيق الضفادع ،وحفيف الاشجار يحدث صفيرا وكأنه لاشباح في غابة غير مسكونة ،يثير انتباهها قفز ضفدع مهرج وسط النهر ،ينساب مخلفا وراءه موجات حلزونية .. تتأمل القمر الذي يرقص في النهر يتموج مثل خصر راقصة شرقية ...تفزعها قطة مذعورة تتسلق شجرة التوت المعمرة هربا من كلب اسود كان يطاردها ..يزعق غراب الشؤم في وجهها ،تهرب مذعورة الى وسط الغرفة ،تخطف طفلها المولود قبل سنة مضطربة تضمه بشدة الى صدرها ..تتمتم بصوت خافت : ياالهي ..ارحمني ياالهي ..من اجل طفلي ..القطة والكلب الاسود وغراب الشؤم واشياء اخرى غامضة ..ثلاثية القدر ،نفس الحلم الذي راودني قبل يومين .

-         القدر اعمى ...لايعرف صاحبه .. عطفك ياالهي ،من اجل هذا المسكين ، تخرج ثد يها وتضعه في فم طفلها ،فهو منذ ساعات لم يتناول غذاءه الرباني ، تحس بدغدغة خفيفة في حلمة ثديها ورعشة في جسدها ..تشتاق الى تومان ، تتحدث بصوت خافت : اين انت ياتومان .. اشتاق اليك ،لقد كنت في قمة فحولتك ليلة البارحة ، وتصرخ من شدة الالم فالطفل اطبق اسنانه على حلمة ثديها : - كم انت فض مثل ابيك ،السادي لايخلف الا ساديا مثله ، يبكي الطفل منكسرا ،تعانقه معتذرة .. تطبع قبلة طويلة على رأسه ،تتداخل الى انفها رائحة الحليب المتخثر في فمه مع رائحة ابطها ..تشعر بشوق الى تومان ، تهمس: لاادري لماذا تشتد الرغبة في لحظات القلق والخوف ،جسدي يلتهب وحرائق تشتعل في اطراف اصابعي ،صدري يكاد ينفجر ،الدم يجري في عروقي مثل ماء النار ،لااحد يطفئ حرائقي الا انت ياتومان ،فانت الوحيد الذي تعرف مكامن ضعفي وكيف انهار امامك مثل كتل الثلج في قدح الماء الساخن ،تعبث بفروة رأس طفلها ،تقرصه من خده تحاول اثارته كي يعيد الكرة ويقضم حلمتها ،يفعلها الطفل ثانية وكأنه احس باللعبة التي يجب اتقان ادائها فتصرخ به : هاه .. افعلها مرة اخرى .. هيه ..ايها الشقي ..تومان الصغير ..تومان المتوحش ..تومان امير السرير ،صائد الرغبات ..يكركر الطفل ،احس بارتعاشة الجسد الذي يحتويه وبالدفء الذي ينساب اليه من الحضن الانثوي ..تشتعل الانثى ،تفرك رأسها بشدة تشعر بأن النار تتحرك من اطراف اصابع قدميها حتى تصل الى رأسها تتداخل الصور امام عينيها ..صورة تومان وهو يعيد الكرة ،مرة ومرتان وثلاث ،تومان الذي يكرز البصل مثل فستق العبيد ،تتذكر كلماته

-هل تعرفين ان الفراعنة كانوا ينصحون عمال بناء الاهرامات بتناول البصل والثوم لانه يقوي العضلات ويزيد الفحولة ،العمال في الميناء يحسدوني لاني احمل ثلاثة اضعاف ما يحملونه من البضائع ..هذه قدرتهم لانهم لايعرفون قيمة البصل وربما يعرفونها ولكنهم يخافون من زوجاتهم لان رائحته تثير اشمئزازهن وينفرن منهم .

تنتبه الى نفسها وتضغط بصدرها على فم طفلها ،يكاد يختنق فيصفعها بحركة لاارادية ،تشعر بلذة اشد قسوة من قضمة حلمتها ،تتنهد :هيه ،الان عرفت اللعبة ،انت تومان بلحمه ودمه وانفعالاته ،احبه عندما يضربني بقوة ،اتلذذ بتلك الضربات ،تثيرني  ،وهكذا كنت اغضبه دائما منذ تزوجته ولحد ليلة البارحة ..اضرب مرة اخرى يا توماني الصغير ، هيا ، تنهض من مكانها تسير بخطوات مسرعة نحو الباب تضع اذنها عليه لتسمع تومان وهو يقترب من المنزل فهي تعرفه من مشيته التي يشحط فيها حذاءه بالارض وتميزه من بين مئات الرجال : ياالهي اين انت ياتومان ، هل ابقوك بالاوفرتايم ،لانريد الاجر الاضافي ،نريدك انت يا تومان ،الم تشعر بي ،الاتعرف بأني اشتاق اليك ؟ لم اشعر في اي وقت بالرغبة مثل هذه اللحظة ، لقد فعلها ابنك الحقير ، اثارني من دون سابق انذار ،ماذا افعل ، اصابعي تشتعل من يطفئ حرائقي .. اه ،ليت لي جناحين واطير بهما اليك .

يشتد القصف ، قذائف تنفجر بعيدا ، وأخرى تئز فوق البيت تحدث صوتا يشبه زئير الاسد ، تهرب مذعورة الى الغرفة ، تسمع طرقات الباب الثلاث فتومان يدخل الى الباحة ..تركض اليه تلتصق به ، كل شئ اصبح لصق تومان تكاد تقصم ظهره من شدة الطوق الذي فرضته على ظهره بيديها ..تشتد الرغبة ،لم يرها يوما بهذه الوحشية ،تقضم شفته السفلى يصرخ ، فتصرخ به : من اجل ان تشعر بعذابي ، هذا الالم لايعادل جزءا مما في داخلي ..تنصهر مع تومان في اللذة ،يتعالى صراخ الطفل ، ويشتد القصف .. يخلع الباب والشبابيك ويمسك الرغبة من اطرافها ،تتمزق اشرعة السفن الراسية في اللوحة على حائط الغرفة وتهرب الخيول الثائرة الموضوعة على جهاز التلفاز الى خارج الدار بينما تغادر النوارس صواري السفن الى الاعالي ..


تعليقات (0) :: اضف تعليقك


اجنحة الخفافيش

أجنحة الخفافيش

جمال المظفر

 

كأنهما في مدينتين منفصلتين لم تدخلهما التكنولوجيا الحديثة واسلاك الهاتف، يرتفع الصوت تارةً وينخفض تارةً اخرى رغم انهما تسكنان في غرفتين متقابلتين بعمارة من طابقين لا يفصل بينهما غير ممر من الاجر المربع المتآكل بعرض مترين تظهر بين ثناياه مجاميع من الأرضة والنمل والصراصر بينما تتسامى رائحة العفن في ارجاء البناية من اثار الرطوبة، الجدران اشبه ما تكون بمزرعة للخفافيش، عارية من الاسمنت تزين واجهتها بعض الشرفات الآيلة للسقوط من الخشب المتآكل، بينما يتهدل الباب الخشبي القديم وكأنه بوابة قلعة آثرية قديمة رسمت عليه السنين أخاديد عميقة وكأنها غابة من الاغصان المتشابكة.

كانت البناية تستخدم كخانٍ لخزن البضائع والحبوب، واحياناً يربط بعض الحمالين حميرهم في داخلها لايوائها لليوم التالي، اجريت على البناية بعض التحسينات بعدما بيعت بالمزاد العلني لان صاحبها قد تراكمت عليه الديون بسبب موائد القمار، فعمل المالك الجديد الطابق الأرضي حماماً للرجال تخرج منه سحب البخار كما لو تخرج من فوهة إبريق، وبجواره دكان لبيع الصابون والمناشف ومساحيق الغسيل واشياء اخرى تخص الرجال، والطابقين الاخرين لسكن العازبات القادمات من خارج المدينة، كأن يكونن طالبات او موظفات في دوائر الدولة الحكومية.

قالت الاولى بصوتٍ عالٍ ومخنوق كأنها في قعر بئر خاوية: هل رأيت القرد اليوم؟

فترد الاخرى بصوتٍ يشبه خوار الماشية: لم أره، تصوري كلما اراه يصاب يومي بالنكد.. فأنا اعرف بأن البوم والغراب يجلبان الشؤم الى الناس، أما القرد فهذا حظي!!

ترد الاولى: لو كان متحضراً لما عمل الطابق الارضي لسكننا نحن العازبات حماماً للرجال

قالت الاخرى: انا لا اطيق رؤيته، ولو رأيته لرجوت منه ان يغيره الى حمام للنساء.

ردت الاولى: انه قرد، كرشه يبعد عن جسمه نصف متر، واذناه كبيرتان، وانفه كمنقار ببغاء، وقدماه طويلتان، هل رأيت حذاءه الطنبوري انه كبير جداً لماذا لا يغطي جسمه عندما يمشي فأني اراه بكل هيئته عورة!!

ترد الاخرى: يا لك من جريئة، قولي القرد وكفى.

تصمتان للحظة، يسمح صوت بائع النفط في الشارع، وصوت الرجل الطاعن في السن الذي يشتري الاحذية القديمة والقناني الفارغة والاسرة المستعملة وتتعالى اصوات الباعة وقهقهات المستحمين الخارجين من الحمام ينسلُ احد الاصوات الى اذني الفتاتين في الغرف: انه فندق للعوانس والارامل، وتتبع هذا الصوت ضحكة قوية وقرقعة ايدي.

ترد الاولى بعصبية: حقراء، انظري اليهم بكروشهم المترهلة، انهم اشبه بمجموعة من الحيوانات يجمعهم اسطبل واحد، يدخلون فيه ليلفظون اوساخهم، يا للعنة عليهم-

فصاحت الاخرى: هل تعرفين بأن صاحب الحمام، اقصد القرد، غير متزوج.

ردت الاولى: ومن هي المجنونة التي ترضى بقرد افعص الانف، يجب ان يبحث عن قرينة له في غابات افريقيا أوالهند، يقولون ان القردة هناك كثيرة، عله يجد واحدة تلائمه.

قالت الاخرى: لماذا لا تتزوجينه يا كركم، صحيح انه لا يملك مواصفات الرشاقة، ولكنه غني جداً

ترد الاولى: تباً لك أيتها البقرة، لماذا لا تتزوجينه أنت، انه يليق بك.

قهقهت الاخرى على كلام صديقتها (يبدو فمها أشبه بفم ضفدعة عندما تضحك) وراحت تردد "القرد مالو، مالو القرد.. المال في جيبوزي الورد"

ردت الاولى: اراك تتكلمين عنه كل يوم، لانك تريدين ان تعرفي وجهة نظري فيه، قلت لك انه يليق بك.

ردت الاخرى: ستبقين عانسة طوال حياتك، لازوج، ولا مال، ولا مستقبل، سوى ذكريات بائسة، وحياة شاقة، وكلمات جارحة، ستصبحين مثل (ام الهوى) خائبة، ضالة، وحيدة، منهارة.. اجل ،و سيرميكِ الزمن الى الحض..ي..ض خرجت هذه الكلمة بنبرات مؤلمة وبحشرجة في صوتها، أشبه ببكاءٍ اصم. يسمع صوت المزلاج تنزل كريمة رجلها من عتبة الغرفة، وتخاطب صديقتها: سأذهب اليوم لزيارة مرقد عبد الله بن علي، عليَّ نذر وسأشتريه من سوق العطارين

ردت الاخرى: يقولون ان الناس يزدحمون في المرقد، والنذور كثيرة، وبالاخص من اللواتي لا ينجبن.

ترد الاولى: تصوري المرقد مزدحماً دائماً رغم صغر مساحته فهناك من توزع (حلال المشاكل) على الجالسين واخرى تنثر الحلوى، وواحدة تربط كنتها في شباك المرقد من اجل ان تحل عقدتها، وبعض النسوة يطبعن ايديهن بالحناء على جدران المرقد، الجو هناك مختلف، رائحة البخور الهندي واغصان الاس، وشموع الميلاد، والحناء المعجونة مع ماء الورد في الكؤوس، والأساطير الغريبة، كل واحدة ولها حكاية.

ترد الاخرى: رافقتك السلامة ايتها ألـ وتفتح نافذة الغرفة التي تحجز نصفها الاسفل مجموعة من القضبان الحديدية المتعامدة، تلقي بنصف جسدها خارج النافذة المطلة على الشارع المحاذي لنهر الخندق، حيث تتداخل رائحة الحيوانات النافقة في النهر مع رائحة العفن المنبعثة من داخل الغرفة، تنفث زفيرها بقوة كحوتٍ جريح فقد فرصة الحياة على ايدي صياديه، تتابع مرور الناس على الارصفة الملتهبة من حرارة شمس الصيف، تطاردها بعض النظرات والتلميحات من المارة، توصد النافذة وتجلس على السرير الكسيح الذي فقد أحد أرجله ويستند على اربع طابوقات هشة، تنظر بضجر الى الغرفة شبه المنهارة، والسقف الذي ينفث التراب والايل للسقوط في اية لحظة يتمناها، والجدران الرطبة المتشققة، وخيوط العناكب التي تملأ الزوايا، والباب المخلوع، والسجادة المتآكلة التي استهوت نسيجها الجرذان الموبوءة التي تمرح في الغرف، كل شيء بحاجة الى ترميم.. وبينما هي تطالع غرفتها الحقيرة، يفزعها صوت صديقتها وهي تصرخ مذعورة من مرور جرذ كبير من بين رجليها:- يا للعنة على هذه الحياة البائسة، جرذان، وصراصر، وارضة، وقمل، واكوام اوساخ، ومياه قذرة، وخفافيش لا تفارق جدران الفندق.

فترد الاخرى: حاولي ان تعتادي على هذه الحياة.. يا صديقتي.

يسمع صوت قبقاب (كريمه) وهي تنزل السلم الخشبي، حيث يختفي الصوت الى اذن صديقتها مع اختفائها في عتمة السلم المؤدي الى الشارع حيث تمتد العتمة الى ما لا نهاية المعاناة اليومية، تلف جسدها بعباءة من التترون الاسود، تتخطى عتبة الباب حيث يفاجئها رجل في الستين من عمره يجلس عند باب الحمام بمغازلة طريفة: كيف حال العصفورة اليوم.. تتجاهل غزله وتندفع في زحمة الناس والشاحنات الكبيرة المكتظة التي تحمل البضائع من مختلف المدن والباعة الذين يفترشون الرصيف، باعة عطور وبخور وملابس نسائية ولعب اطفال واقفاص طيور وحمام، تنحدر نحو سوق العطارين، حيث تشتد رائحة التوابل والبخور الهندي، يشتد بها العطاس، تطلب من الرجل العجوز بخور الصندل بقيمة ألف دينار، يشعر الرجل بضيقها من رائحة التوابل، فيسرع في تنفيذ طلبها، تأخذ البخور وتراوغ هاربة ما بين شاب وامرأة ومجاميع من الصبية والعربات، حتى تصل الجسر المؤدي الى المرقد، تنتظر للحظة عبور السيارات المسرعة وهي تطلق زعيقها بلا مبرر، تفلت من بين الزحمة نحو الجهة الاخرى، فالمرقد على بضعة امتار.. تدخل الباب الخارجي، وتنزع قبقابها احتراماً لقدسيته ليس هنالك من مكان لكي تجلس، فالمرقد مزدحم، ودخان السجائر والبخور يملأ أجواءهُ، ثرثرة نساء وكركرات اطفال ودعوات امهات لابنائهن الذين ما زالوا في بدلات الحرب، أمنيات ضالة لنساءٍ لا ينجبن، الحائط يمتلئ بالحناء، والزوايا تعج بالهدايا من الزوار وقد كتب عليها "وقف فلان بين فلان" تلمح اشارة من عجوز هرمة في التسعين من عمرها تلوك قطعة حلوى صلدة، إنها توفر مكاناً للزائرة، تحمل قبقابها في يدها وتجلس قرب العجوز، متقرفصة، ليس هنالك من مسافة كافية لكي تجلس بصورة طبيعية، تسألها العجوز: هل لديك نذر؟ فترد: نعم، لدي

فترد العجوز: عسى ان لا يكون مثل قطعة الحلوى القديمة هذه منذ ساعة ألوك بها ولم تذب، كأنها من الاسمنت

فترد كريمة: مزيداً من اللعاب يكفي لاذابتها

ترد العجوز: هل أنت متزوجة؟

ترد كريمة: للاسف.. كلا

ترد العجوز: ياه.. أنتِ يائسة، اذن حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة، لا تنهاري.

تضيق ذرعاً بكلام العجوز الشمطاء هذه، تخرج منديلها من حقيبة اليد تمسح العرق المتصبب من كلام هذه المجنونة، تدفع بيدها كتلة جسدها المتقرفص وتغادر المرقد، فالحرارة تزداد في الداخل رغم وجود المراوح السقفية والعمودية، ولكن كثافة الزائرين وزفير الأفواه يجعل المكان مليئاً بالوخمة والرطوبة..

"أنت يائسة.. حاولي ان تتجرعي كأس العنوسة" انها كلمات مقززة، تباً لكِ ايتها الملعونة، كان عليّ أن لا استجيب لا شارتها، هن هكذا كلما تقدم بهن السن زاد بهن الخرف، امرأة لا تستطيع مضغ قطعة حلوى لا تستحق الحياة، يفزعها صوت مزمار سيارة حمل كبيرة تريد الاستدارة تنتبه الى نفسها، فهي في منتصف الشارع تقريباً، تعبر الى الضفة الاخرى، تجفف العرق المتصبب من على وجهها وصدرها فيرن الى مسمعها كلام ذلك الشاب الطويل القامة: هل ترافقيني يا حلوة.

فتصرخ به منهارة: تباً لك يا ابن العاهرة.. وتنصرف في سيرها غير آبهة بالزحمة في السوق، سوى صدى تلك الكلمات: أنت يائسة.. حاولي ان تتجرعي كأس العنوسة.

تحاول جاهدة ايقاف تصبب العرق بغزارة من جسدها يتبلل ثوب البرلون الخفيف يلتصق على جسدها وتبدو شبه عارية، يشعرها بلزوجة مقززة على مساحة نهديها المتكورين، تحاول ازاحته منهما لكنه يلتصق تماماً تراوغ في زحمة السوق مثل سمكة هاربة تطاردها كلمات العجوز التي ما زالت ترن في اذنيها: حاولي ان تتجرعي كأس العنوسة.. تباً لك أيتها العجوز الهرمة لا اعرف كيف تتلقفين أنفاسكِ وانت تحثين خطاك الى القبر الذي سيطبق جوانبه على أضلاعكِ الشائكة، تترك زحمة الرصيف وتنزل الى الشارع ينهال العرق مثل شلال خمر يبلل ثوب البرلون ويلتصق تماماً مثل اجنحة الخفافيش على صدرها.. تهرب الى الآمام مسرعة وتذوب مع اسفلت الشارع شيئاً فشيئاً.

 


تعليقات (0) :: اضف تعليقك


غرام في خانة الشواذي

غرام في خانة الشواذي

جمال المظفر

 

ماركين ... ماركين / صهيل خيول وانثناءات نهار ، دبق ارض رطبة ، لسعات أسياط وبقايا كرباجات ، ضحكات نسانيس وعواء ذئاب وقهقهات سماسرة وخمارات ونوادل وكؤوس شربها النسكة حد الثمالة ، وراقصات يترنحن تحت شرفات الشناشيل ..................................

...............................

ماركين ... ماركين ، مكان لشخصين نحيفين ، الأول في الصدر والثاني في خانة الشواذي*....

سحب السائق الذي تجاوز الثمانين من العمر صفيحة سمن معدنية فارغة وجلس عليها قرب موقد الفحم الذي وضعت فيه بائعة القيمر ( لوزينة ) قوارير الشاي والحليب البقري وأرسل يديه الى الموقد ليأخذ قسطا من الدفء في صباح خريفي يوزع نسمات باردة على وجوه المارة .

كانت لوزينة ذات الثلاثين ربيعا نسخة طبق الاصل من والدتها ( سعودة ) التي ذهبت ضحية الجندي الغازي الذي ركلها في بطنها التي تحوي جنينا في شهوره السبعة واماتها معه لأنها مردت خصيتي زميله الذي حاول التحرش بها .

لوزينة تزيح الايشارب عن صدرها وتضع عشرة دنانير في ساقية النهدين الملتصقين ، حيث تعتاد الكثير من النسوة الى اعتماد هذه الطريقة لحفظ النقود بدلا من المحافظ الجلدية .

نهداها أبيضان يكاد الدم يتقاطر منهما وسواد الثوب يعطيهما بياضا ناصعا لايشبه أي بياض آخر..

أعاد ستوري ذاكرته الى الوراء وتراجعت صورة أم لوزينة التي كانت بعمر ابنتها ، تذكر أول مرة تصادم معها عندما حشر ربع دينار بين نهديها مستغلا شرود عينيها الى الاسفل لتضع النقود في مكانها المعتاد ، وكيف تحولت المشادة الى علاقة حب تجاوزت حدود الخيال .!!

سعودة وهي تزيح الايشارب عن نهديها ممازحة اياه في خانة الشواذي : على عنادك ... انهما للدود ، أي ليس بأمكانك لمسهما ، وكيف ألقى بكل جسده على صدرها وراح يلتهم شفتيها في لحظة ذوبان كلي لم يبق منه غير أنين الباص الخشبي ..

سعودة التي قضمت شفته السفلى في تلك المرة ومازالت آثارها علامة بارزة قد لايعرفها أي شخص آخر غيرهما ، لم تكن علاقة غرامية عابرة ، كان عراكا جسديا وكأنهما قطتين متوحشتين تفترسان بعضهما البعض .

_ توتي ... تواتي ...توتي ... تواتي ، هكذا كانت تناديه مع طقطقة بأطراف أصابعها بأن يأتي زحفا على ركبتيه مثل أي طفل يتعلم المشي لأول مرة وهو يوحد حركته مع وقع الطقطقة بأبتسامة وادعة ولهفة الى لحظة قد لاتتكرر مرة أخرى ، حتى يصل اليها ويدخلان في عراكهما الوحشي الذي تشهد له خانة الشواذي . .

بدأ الدم يدب في جسده ورعشات خفيفة في أطراف أصابعه ، اشتهاء لجسد ثلجي يعيد ذكريات سعودة وهي تذوب معه في أجمل أيام العمر ....

منذ عشرين سنة لم ينم مع أية امراة أخرى ، فبعد سعودة تغير شكل العالم ، لم يشعر بان هناك امرأة تقدر أن تعطي ماكانت تعطيه اياه ، كانت امرأة خارقة في كل شئ ومثيرة للغاية ... أدمن بعد موتها شرب الكحول وصار يمضغ دخان السجائر وابيض شعره وأصيب بمرض السكر.

لوزينة أثارت اشتهاءه ، انتبهت لنظراته لكنها زاغت ببصرها عنه الى الجهة الاخرى.

قال : أنت نسخة طبق الاصل من سعودة الاصيلة .

قالت بأبتسامة خجولة : يقولون هكذا ..

قال : لكنها كانت أكثر بياضا منك، انها فلقة قمر.

قالت : من أين رأيت بياضها ، انها متشحة بالسواد منذ وفاة أبي وحتى موتها البشع.

قال : كنت أراقب حركاتها وهي تضع النقود بين نهديها تماما كما تفعلين انت .

أطلقت ضحكة ساخرة وقالت : يعني انك تتصيد النظر.. !!

قال : عيناي زاغتا لاإراديا ، والعين تعشق كل شئ جميل ، ثم أخرج عشرة دنانير وطلب منها أن يضعها بين نهديها ...

ترددت كثيرا لأنها لا تريد أن تصل الى هذا المستوى لكنه أصر ليعيد عادته مع سعودة... أقنعها بتلك الحجة فوافقت، حشر دنانيره بين ساقية النهدين حتى لامسهما بأطراف أصابعه ، أحس بقشعريرة في جسده وشيئا ما يتحرك ، همس لنفسه : يا الهي ... لطفك يا الهي ... لقد خذلني ذلك الطبيب المبتدئ الذي حفظ بعض الكلمات وراح يلقنها لي ، بل انه أقنعني بها ، بأن مرض السكر يؤثر على نشاط الرجل ، لعنت أنت وشهادتك المعلقة على الحائط يا طبيب النسانيس ...

ثم نظر إليها بعينين مبللتين بدمع خفيف وقال لها : مازالت رائحة جسدها تذوب في ثناياي ، كلما أتعرق يزداد نبضي ولا أكاد أسيطر على نفسي ... أنها ... أنها ... آه ، ثم أطلق دمعتين كأنهما قطرتا زيت نزلتا بهدوء حتى أرنبتي أنفه .

سحبت طرف شالها ومسحت دمعتيه في انكسار لا مثيل له وهي تطيل النظر إليه ، ربما أرادت أن تعيد له ذكرى سعوده، أو لعلها تستكشف فيه هل ان الرائحة هي نفس الرائحة التي تفوح من جسد أمها .

قال لها : أنت سعودة ، أنوثتها وعينيها وشفتيها ونهديها ونكهتها ، أنت رائحتها التي مازالت في كل مسامة من مسامات جسدي .

قالت : أنا سعودة الصغيرة المغرمة بتلك الذوائب البيضاء والشاربين الكثين ... أنثى الغزال الهائمة في ساحة ام البروم وسط ترنحات السكارى وقهقهات العاهرات وراقصات الملاهي الليلية والكلاب السائبة وأكوام النفايات والمتصعلكين وحرس الدورية والجنود العائدين من جبهات القتال ... انثى الغزال التي سئمت مضايقات الزبائن ونظراتهم الحيوانية واشتهاءاتهم للحمها الطري ...

طلب منها أن تسقيه قدحا من الحليب ألبقري الساخن ، عله يعيد له القوة ، بل انه استلذ تلك العادة في وضع النقود بين نهديها ...

ناولته القدح واخذ يرشفه بسرعة حتى احترقت شفتاه ، انه يستعجل اللحظة ، أنهى شربه ولف بضعة دنانير وطلب منها ان يضعها بين نهديها ، رفضت لكنه حلفها بسعودة ولمجرد ذكر اسمها قبلت فوضع الدنانير في الساقية التي امتلأت بالنقود ، لكنه حاول ان يكون اكثر تواضعا في ان يرتب الدنانير التي لم يبق مجال لحشر المزيد ،فتح الساقية التي بين نهديها وأنزل الدنانير و بحركة غير متزنة انكب على وجهه فوق صدرها ، حاولت ابعاده بعد ان شعرت بنشوة غامرة ، ابتسمت خجلة أمام تلك الجثة ، حاولت دغدغة مشاعره لكنه حلق عاليا ليمارس عراكه الوحشي مع سعودة في فضاء لأمتناه يتعدى حدود خانة ألشواذي ....

 

.......................................................................................

*ماركين: منطقة في البصرة كانت يمر بها الغزاة البريطانيين ايام الاحتلال البريطاني في بداية القرن الماضي وتسمى الان المعقل

* خانة ألشواذي: مقاعد خلفية متقابلة في باص خشبي لنقل الركاب .


تعليقات (0) :: اضف تعليقك